الانتصار في حجية قول الصحابة الأخيار المؤلف: د. عبد العزيز بن ريس الريس الناشر: مركز سطور للبحث العلمي، دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع- المدينة المنورة الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ عدد الصفحات: ٥٦ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الفصل الأولالمبحث الرابع الأدلة على حجية قول الصحابي
ص17
المبحث الرابع
الأدلة على حجية قول الصحابي
بعد هاتين المقدمتين السابقتين فالأدلة على حجية قول الصحابي ما يلي:
الدليل الأول: كل دليل على حجية دليل الإجماع، فهو دليل على أن مذهب الصحابي حجة؛ وذلك أن الصحابي أو الصحابيين أو الثلاثة أو الأربعة … إذا قالوا قولا، ولم يخالفوا، فإن هذا إجماعٌ، ولا يصح لأحد أن يقول: إن مثل هذا الإجماع لا يقبل، أو يقول ما شاع عند المتكلمين إن هذا إجماع سكوتي ثم يرده؛ وذلك أن مقتضى رد الإجماع السكوتي أنه لا إجماع؛ لأنه لا يوجد إجماع منطوق، بمعنى: أن كل عالم نطق بقول في هذه المسألة (١).
بل لو أردت أن تثبت عن أهل بدر أنهم قالوا بوجوب الصلوات الخمس لما استطعت أن تثبت ذلك، فإذا لم تستطع ذلك في الصلوات الخمس، وفي مثل أهل بدر، فغيرها من المسائل من باب أولى، فالقول بأنه لا بد أن ينطق كل عالم، مقتضى هذا إسقاط دليل الإجماع، وقد ذكر هذا بمعناه ابن قدامة ـ رحمه الله ـ في كتابه «روضة الناظر»(٢).
إذن الدليل الأول: كل دليل يدل على حجية الإجماع يدل على حجية قول الصحابي، ومن ذلك: قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.
إذا سئلت في مسألة يوجد فيها قولٌ للصحابة أو قولان أو ثلاثة أو أربعة: ما أعلى
——–
(١) راجع في ذلك رسالتنا «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات». (٢) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٣٧).
ص18
قول في هذه المسألة؟
الجواب: هو قول الصحابي، إذن هو سبيل المؤمنين في هذه المسألة فيما تعلم، ومن خالفهم بعد فهو محجوجٌ بهم، إلى غير ذلك من الأدلة على حجية الإجماع (١).
الدليل الثاني: أدلةٌ خاصةٌ بالصحابة، وسأذكر دليلين: دليل نصي أثري، ودليل من جهة المعنى.
أما الأول النصي الأثري: قد أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:«النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»(٢).
شبَّه النبي – صلى الله عليه وسلم – نفسه بالنجم، والنجم يهتدى به، وشبَّه الصحابة بذلك، فدَلَّ على أنهم حجةٌ، فمن اهتدى بهم سلك الصراط المستقيم، ومن سار على منهاجهم نجا، هذا دليلٌ واضحٌ على حجية قول الصحابي.
ومثل ذلك ما جاء في بعض الصحابة، كما أخرج الخمسة إلا النسائي، من حديث العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٣).
هذا صريحٌ في حجية قول بعض الصحابة، كالخلفاء الراشدين، ومن ذلك ما أخرج مسلم من حديث أبي قتادة، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إنْ يطع الناس أَبَا بَكْرٍ،
——-
(١) راجعها في رسالتي «حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات». (٢) أخرجه مسلم (٢٥٣١). (٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٦٠٧) طبعة المعارف.
ص19
وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» (١)، وهذا في بعض الصحابة أيضًا.
أما الدليل الثاني الذي يرجع إلى المعنى: فهو ما ذكره ابن القيم ـ رحمه الله ـ، قال: «إننا والصحابة نشترك في مدارك، وينفصلون عنا بمدارك، والمدارك التي ينفصلون عنها كالتالي، وذلك أن الصحابي إذا قال قولا، يحتمل أنه سمعه من النبي – صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أنه سمعه ممن سمعه من النبي – صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أنه ينقل إجماعا في زمانهم، ويحتمل أنه فهمٌ ظهر له لم يظهر لنا، ويحتمل ـ هذا احتمال خامس ـ أنه أمْرٌ دلت عليه اللغة، وهم أئمة في باب اللغة، وعرفوه بالسياق واللغة وغير ذلك، وهذه الاحتمالات الخمسة تدل على أن قوله حجة.
قالوا: هناك احتمالٌ سادسٌ: أن يكون اجتهد الصحابي فأخطأ، لكن هذه الأمور الستة ـ وهي المدارك التي انفصلوا بها عنا ـ تدل على أن قولهم حجة من باب الظن الغالب، والظن الغالب حجةٌ في الشريعة. هذه مدارك انفصلوا بها عنا (٢).
وهناك مدارك اشتركنا نحن وإياهم فيها، لكن الفرق بينا وبينهم فيها كالفرق بين السماء والأرض، وذلك يُعرف بما ذكره ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ،: أن الواحد منا إذا أراد أن يدرس اللغة، أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي فهي سليقته التي نشأ عليها، والحديث أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي يقول: رأيت محمدًا – صلى الله عليه وسلم -، وقال محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -، وعلم الأصول أخذ من ذهنه شعبة، أما الصحابي لا يحتاج إلى ذلك، إلى أن قال بعد ذلك: ثم إذا انتهينا من هذا كله، وصلنا بأذهان قد كلَّت وتعبت، ومنا من يجدّ المسير، ومنا من لا يجدّ المسير، فهذا كله ليس عند الصحابي (٣).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي. رواه الترمذي، وحسنه الألباني.
راي ابن تيمية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى:
من قال من العلماء إن قول الصحابي حجة. فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عرف نص يخالفه ، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارا على القول، فقد يقال: هذا إجماع إقراري. إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: هو حجة. وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق. وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم. اهـ.